الإثنين, 07 أيار 2018 00:00

ضحايا من خفايا بيوتنا وقوانيننا - تحقيق صحفي

ضحايا من خفايا بيوتنا وقوانيننا

الاعتداء الجسدي على المرأة: سهولة في الرصد وعقبات في التبليغ
المقداد: انتهاك الجسد انتهاك لكل شيء
العشا: التطبيق الفعلي لقانون الحماية من العنف الأسري لا يعكس واقع القانون وماهيته
المغالسة: قوامة الرجل لا تعني تأديبه للمرأة صبح مساء
التميمي: القانون سمح للرجل الإفلات من العقاب عند ايذاءه للمرأة
جامعة الزرقاء – كلية الصحافة والإعلام – عبد السلام الحموري
"فيما عدا الجرائم التي تختص بها محكمة الجنايات، تعتبر الجرائم الواقعة على الاشخاص الطبيعيين عنفاً اسرياً اذا ارتكبها احد افراد الاسرة تجاه أي فرد آخر منها". هكذا عرف قانون الحماية من العنف الأسري في مادته الخامسة، الاعتداء الذي يتعرض له أحد أفراد الأسرة، وتوجب له الحماية من القانون ومطبقيه.
إلا أن المادة التاسعة من القانون ذاته اشترطت على الضابطة العدلية من افراد وضباط الامن العام الانتقال الى مكان وقوع العنف الاسري المدعى به، في حال ورود بلاغ يتضمن ان هناك حالة عنف اسري قائمة او انها على وشك الوقوع، أو عند ورود بلاغ يتضمن خرقاً لامر حماية نافذ صدر وفقاً لاحكام هذا القانون.

بين حماية واجبة بمقتضى المادة الخامسة، وبين تحديد تدخل الضابطة العدلية عند ورود بلاغ رسمي بذلك وفق المادة التاسعة، عانتا "حياة" و "ياسمين" من عنف أسري متواصل من زوجيهما، فلم تجدا من ينقذهما مما يعانيان، ولا القانون طبق على أرض الواقع لغايات الحماية التي وضع من أجلها.

مستشارة البرامج في المعهد الدولي للتضامن النسائي – الأردن ، المحامية أنعام العشا اعتبرت أن العنف الجسدي هو اكثر انواع العنف رصدا، لان الاصابات ظاهرة ويمكن رصدها بسهولة، ورغم أن قانون الحماية من العنف الاسري، يعتبر اضافة نوعية على منظومة التشريعات الاردنية، إلا أن التطبيق العملي للقانون يجسد عكس ما جاء فيه من مواد حامية للمرأة والأسرة.

حلم المدرسة والحياة الطبيعية انتهى عند "حياة" في سن الثانية عشرة، خطفت واغتصبت وزوجت من شخص يكبرها بعشرة أعوام، عانت من تفكك أسري واهنة وضرب منذ الصغر، فما عانته "حياة" في صغرها تعيشه الآن في بيت زوجها.

تروي حياة: "توفيت والدتي ونحن صغار، تزوج ابي من وحدة ثانية، عاش في منزل لحالوا وتركنا انا وخواني الخمسة"، ما زلت إلى الآن اتذكر ضرب والدي لنا وقسوته، ما حدث هو السبب في ما حصل لي من تفاصيل لاحقة في حياتي.

استاذ التربية في جامعة اليرموك الدكتور قيس مقداد، يوضح "أن الطفل في مرحلة من مراحله العمرية يبدأ بتثبيت الأشياء في ذاكرته، "الطفل لا يملك شيء غير الجسد وإذا تم انتهاك هذا الجسد فهو انتهاك لكل شيءفي حياته رغم أن المعنى يكون غامضا والإرادة تكون منقوصة، لكن في عمر أربعسنوات تبدأ ذاكرته بتثبيت الأشياء أي يستطيع أن يتذكر ما حدث معه في هذاالعمر".

"الطفل يكسر نظرة الأمان بالعالم والشخوص، بالتالي يؤثر على طبيعة العلاقاتالإنسانية في المستقبل ويؤثر على الشخصية، ما يمهد الى نوع من الاكتئاب والرهاب من الأماكن والشخوص"، فيوضع الطفل في بوتقة الأمراض النفسية بشمولهابكل ما تحمله الأمراض العصبية والاضطرابات الشخصية التي تؤثر على الحياةوالسعادة في المستقبل، يؤكد مقداد.

"حياة" تؤكد أن ما تعرضت له في حياتها كان سببا في نهاية حياتها على أرض الواقع، "أنا أعيش بلا هدف، موجودة ولست بذلك، لم أجد من يقف إلى جانبي، فلا القانون أنصفي، ولا المجتمع رحمني".

اغتصبني وأنا طفلة، لم يقدم والدي شكوى بحق الجاني لأنني لم استطع تمييزه، تم إيداعي لدى دار الخنساء لرعاية وتأهيل الفتيات، وبقيت حتى جاء نصيبي.

تعرضت لسوء معاملة وضرب شديد من زوجي، فهو مختل عقليا ويعاني من الصرع والإعاقة العقلية، وهو لا يعي ما يقوم به في كثير من الأحيان، زادت المشاكل بيننا كل يوم، وتركت البيت عدة مرات.

العشا ترى أن الكثير من النساء لا يبلغن عما تتعرض له من اساءة، أو يدعين أن الاصابات عرضية، خوفا من التبليغ او لاعتقادها أن البلاغ قد يكون مدخلا للتفكك الاسري او الطلاق او الانتقام او الحاق العيب بالاسرة او عدم وجود مكان تلجأ له، فهي بين البلاغ أو الصمت او الإدعاء أنها عرضية.

الدكتور هاني الجهشان، اخصائي الطب الشرعي، يقول: "إن مدى انتشار العنف ضد المرأة غيرمعروف، والمعروف فقط هوالحالات التي تطلب فيها المساعدة الطبية أوالنفسية أوالاجتماعية أوالقانونية، فمثلاً هناك 700 حالة تلجأ للشرطةسنويا في منطقة عمان الكبرى التي تضم مليون نسمة.

ووفقا لتقرير المجلس الوطني لشؤون الأسرة عام 2014، فإن أكثر أنواع العنف الأسري ممارسة هو العنف الجسدي وبنسبة (86%)، حيث ان غالبية المساء إليهم يمارس عليهم أكثر من شكل من أشكال العنف، أكثرها ممارسة الضرب باليد أو الرجل( 76.6%)، والسب والشتم والتحقير (51.4%)، والصراخ (20.3%، إضافة إلى إهمال الزوج لمتطلبات الزوجة (18.1%).

75% من النساء اللواتي يراجعن الأطباء لأول مرة يعدن مرة أخرى، وفق الجهشان، الذي اكد أن 95% من النساء اللواتي يراجعن الأطباء يكن قد تعرضن سابقا للعنف المتكرر.

كل مرة تعود فيها "حياة" إلى منزلها بعد وساطات أهل الخير، تتعرض للضرب والإهانة والتنكيل، وأن صبرها الذي نفد الآن، كان من أجل طفليها هديل ذات الست سنوات وحسن ذي الخمس سنوات، لا تستطيع خدمتهم على الشكل المطلوب، "فالقانون في صف الرجل مش مع المرأة، وما حد شايف اللي باعنيه" تعبر أم حسن.

 

 
 

المتابعة اللاحقة للفتيات اللواتي يتعرضن للاعتداءات الجسدية غير موجودة قانونا، فالعشا تطالب بإدراجها ضمن القوانين من أجل متابعة شؤون المرأة لسد هذه الثغرة، فبعض المؤسسات الرسمية المختصة تقدم خدماتها بالشكل المطلوب لكن لا تقوم بمتابعة الأشخاص الذين رعتهم.

وتؤكد المرشدة القانونية في اتحاد المراة الأردنية المحامية مرام المغالسة على فكرة المتابعة اللاحقة، "فبوجودهاتقل حالات التكرار للحوادث، فكثير من النساء والفتيات في الوقت الحالي تخرج بلا معيل او سند او مأوى او عائلة، او تعود للمحيط ذاته الذي كانت تعيشه، فلا تجد من يحميها ويقف بجانبها، فترتكب الاخطاء ذاتها نتيجة عدم المعرفة وعدم وجود استشارة تهديها للصواب".

أربع سنوات فقط هو عمر الحياة الزوجية "لياسمين"، رغم أنها لم تبلغ العشرين من عمرها، كتبت عائلتها اسمها في خانة الزواج المبكر، ما أن أتمت السادسة عشرة من عمرها، دموعها لم تشفع أن يرق زوجها ويعاملها بالحسنى.

تخبرنا "ياسمين" بتفاصيل حياتها اليومية "بعد الزواج بفترة قصيرة أظهر زوجي وجهه الآخر، ادمان على الخمر، سهر للفجر، بخيل في الصرف، ضرب في كل وقت، حبس في البيت، تهديد بالطلاق لمرات، إهانة أمام الجميع".

إن ازدياد اعداد حالات الاعتداء الجسدي على المرأة حسب المغالسة؛ ناتج عن تخلف في بنية المجتمع، فثقافة المجتمع هو من يحدد مكانتها، وهو الذي يرفع من شأنها أو يقلل، وأهم عنصرين لتفسير قضية الإعتداء على المرأة أو ما يعرف "بكماشات" قضية المرأة، ويفسران بشكل خاطئ، هما التفسير الخاطئ للدين، فقوامة الرجل لا تعني تأديبه للمرأة صبح مساء، ولا يعني ولايته على الأطفال وضربهم والتنكيل بهم،فهناك ربط خاطئ بين مفهوم القوامة والتأديب والمسؤولية، وهذا يعكس تربية وثقافة وسلوك غير صحيح، فالنصوص الدينية اذا فهمت في إطارها الحقيقي وطبقت بالشكل الصحيح، فسينعكس ذلك على سلوك المجتمع.

وذكرت المغالسة "إن معظم الرجال يحفظون ايات مجتزأة عن معناها الحقيقي، لشرعنة فعل ضرب واهانة المرأة، والباس الدين لباس التغطية والمواراة على افعالهم تحت مسماه"، لكنهم لا يحفظون الايات التي تتحدث عن الرفق والرحمة والمسؤولية والانفاق، إضافة إلى الاحاديث النبوية التي تتحدث عن المرأة وحسن تربيتها ومعاملتها.

الكماشة الثانية حسب المغالسة تتمثلفي العادات والتقاليد البالية المسقطة من المجتمع قديما على المرأة، وهي ناتجة عن حالات احباط للفرد، مما يضطره الى اسقاط الحالة التي يشعر بها على الحلقة الاضعف في المجتمع؛ وهي المرأة.

الناشطة في حقوق المرأة فيروز التميمي ترى أن القانون لم يعالج معاناة المرأة بشكل حقيقي، فكيف يسمح القانون للرجل الإفلات من العقاب عند ايذاءه للمرأة؟ ولماذا لا يقف القانون في وجه المجتمع وتصرفاته المعادية الظالمة للمرأة؟ كيف نسمح بإسقاط الفهم الخاطئ للدين والعادات على المرأة وحدها تاركين الرجل خارج جميع الحسابات؟

"ياسمين" وبعد أربع سنوات فقط من الزواج، طلقت ثلاث مرات، وزوجها يرفض توثيق ذلك، فتتساءل: من المذنب في هذه السنوات الأربع؟ أبي الذي زوجني صغيرة؟ أم زوجي الذي يضربني ويهينني ويطلقني؟ أم القانون الذي يمنع الزواج المبكر ولم يحمني من إهانة "زوجي"؟ أم المجتمع الذي يضع اللوم على المرأة في كل شيء؟

ويعاقب قانون العقوبات الاردني على أشكال العنف الجسدي حسبالشدة،والتي قد تصل حسب المادة (335) في حال قطع اواستئصال عضو اوبتر احد الاطرافاوالى تعطيلها اوتعطيل احدى الحواس عن العمل ، اوتسبب في احداث تشويه جسيماو اية عاهة اخرى دائمة اولها مظهر العاهة الدائمة ، عوقب الفاعل بالاشغالالشاقة المؤقتة مدة لا تزيد على عشر سنوات.

جهشان يشير إلى أن هناك حالات عنف جسدي في 22 - 35% من النساء اللواتييراجعن الطوارئ بسببوجود إصابات، و 45-59%من أمهات الأطفال مساء لهن جسديا.

وفي دراسة سابقة لاستاذة علم النفس العيادي أروى العامري أكدت فيها أن 86% من طلاب إحدى الجامعات الأردنية يعانون من العنف داخل أسرهم، وهو ناتج وفق المغالسة عن نظرية تبعية المرأة للرجل ووجودها للغير، فهي حسب القانون والمجتمع ليست موجودة لذاتها ولا تعلم حقوقها مما يجعلها تصمت عن الاهانات التي توجه لها والاعتداءات.

"بدنا حماية دستورية وقانونية واقعية" هي مطلب المغالسة، بعد تأكيدها على ان الممارسات القضائية والقانونية لا تعكس التطبيق الحقيقي للقوانين، فنحن في مؤسسات واتحادات وجمعيات المرأة نعاني من "ممارسات قضائية نابعةمن عقلية ذكورية" في التطبيق تحرم المرأة من حقوقها، وتؤكد نظرية التبعية.

نظرية التبعية التي تمنع المرأة من التبليغ، تضرب عليها العشا مثالا " إن تنشئت المرأة الاجتماعية تجعلها غير قادرة على صنع القرار، وتجعلها تابعة اجتماعية واسريا واقتصاديا؛ سواء للاسرة أو الزوج، وهذا يزيد الضرر النفسي عليها ويجعلها غير قادرة على التبليغ".

من سينتصر؟ "ياسمين" التي تنتظر بفارغ الصبر جلسة المحكمة لإثبات حالات الطلاق الثلاثة، كي تنهي في حال ثبوتها، سنوات البؤس وتبدأ صفحة جديدة مع أطفالها، أم قوة الزوج والمجتمع والقانون "الذكوري" بنظرها؟ بينما "حياة" عازمة على رفع قضية حضانة، علها تسهل عليها تدبير أمور أطفالها، وتبعدها بعض الشيء عن ظلم الأهل والزوج والقانون والمجتمع، الذين رافقوها في تفاصيل حياتها المريرة خلال ثماني سنوات من الزواج.

12

للتواصل يرجى المراسلة عبر الايميل التالي: mif@zu.edu.jo

جامعةالزرقاء – كليةالإعلام

هاتف: 962-5-3821100 فرعي (2253)

Top